في رحيل فنان الكلمة الشعبية المستنيرة الرائد المسرحي طه سالم

في رحيل فنان الكلمة الشعبية المستنيرة \ طه سالم فنان مسرحي لامع يأفل نجمه ليهوي في فضاء يخذل المسرح اليوم ليقل الشعب كلمته ولتقل النخبة كلمتها حيث واجب لا العزاء والمساهمة بإماتة الصوت العالي ودفنه بل واجب متابعة المسيرة والسمو بها لإشراقات بهية بفضل المنجز الكبير.. لا تتركوا قامات الإبداع وثقافة التنوير تنحني ولا تسمحوا باقتلاع نخيل العراق الشامخ رجالات صنع جماليات حيواتنا .. كونوا أنتم التالي في حمل الراية وفي التنوير وفي خطى الانعتاق والتحرر وإشادة ربوع الشعب بهية بالكلمة الحرة الساطعة شموس أضواء المحبة والتسامح والسلام

الفنان الكبير الرئاد المسرحي فنان الشعب طه سالم يغادرنا اليوم وسط أجواء تخذل المسرح والمسرحيين.  الفنان طه سالم، هو كتلة من سطوع وولادات مسرحية بهية؛ إنه شقيق الفنانة الكبيرة وداد سالم والد شخصيات فنية وأكاديمية مميزة هم: الدكتورة شذى الدكتورة سها والدكتور فائز .

لم يكن الفنان طه سالم شخصية عابرة على خشبة المسرح المحلي بل كان فنان الشعب لمنجزه الذي جمع بين معاني جماليات المسرح وخطابه الإبداعي المركب والتزامه حياتياً بقيم الشعب وأنسنة وجوده وتلبية تطلعاته في التنوير والتمدن وهو فنان رائد عاصر أجيال الريادة الكبار كما الفنان يوسف العاني وخليل شوقي..

لقد سجل وجوده بميادين الإبداع المسرحي تمثيلا وكتابة وتألق في إبداع أشكال وأجناس مسرحية كان رائداً في بابها.. فكان من بين أوائل مَن كتب عراقيا وعربياً بجنس مسرحي كما في دراما العبث أو اللامعقول. ومن أعماله الخالدة مسرحيات: فوانيس، طنطل، الكورة، ورد جهنمي، نجمة أم ذويل، تراب، قرندل، الجدار، مامعقولة، عصافير الشوك، مدينة تحت الجذر التكعيبي، طوب ابو خزامة والبقرة الحلوب وغيرها…

الفنان طه سالم من مواليد مدينة الحضارة السومرية الناصرية عام 1930؛ بدأ الاهتمام المسرحي عنده منتصف الأربعينات كما أغلب مجايليه الرواد الكبار.. وفي المداس قدم أعمالا مسرحية تأليفاً وإخراجاً.. ولصلاته بالشأن العام وقضايا التنوير المجتمعي تعرض لمضايقات وللاعتقال بحجج واهية. تخرج في معهد الفنون الجميلة في عام ثورة تموز الخالدة أي سنة 1958 وساهم بالتلفزيون العراقي الذي افتتح سنة 1956 كأول تلفاز في الشرق الأوسط، لكنه التلفاز الذي أهملت السلطات والإدارات فيه تسجيل روائع المنجز الفني المسرحي وغيره فضاعت أغلب الأعمال وضاعت التجاريب الغنية الثرة لمبدعي البلاد..

حاز على تكريم بالمستوى العربي إلا أنه كما جيل من أنجم الإبداع من الرواد اليوم تُضرب حواليهم الحصارات والعزل عن الناس. كي لا ينافسوا ظلاميات التخلف المشاعة اليوم. حتى أن طباعة أعمالهم أو نشرها كانت تجري بجهود ذاتية خاصة وبظروف عيش معقدة صعبة. لكن بالتأكيد يبقى لقب فنان الشعب لقبا مستحقا له تكريما من الوسط الذي انتمى إليه ودافع عنه…

ساهم بتأسيس فرق فنية مهمة في ميدان المسرح العراقي وكذلك في تفعيل الفرقة القومية وفي رفد المسرح بمنجز مميز برهن بكفاحه على أهمية رسم جماليات الحياة المبشرة بالتنوير وبغرس قيم التسامح والسلام والتقدم ورفض قيم الدجل والتضليل التي كافحها مبكرا في مجتمعنا يوم كان الشعب بجموع فقرائه يوفر اللقمة ليزور المسرح ويرتوي من زوادة التنوير فيه، ويوم كانت تخرج التظاهرات بخلفية تلك الأعمال المسرحية نضالا وطنيا مشرفاً…

إن وعي المسرحيين العراقين انماز بمحورين مهمين: المحور الأول هو المضموني حيث الفكر السياسي المجتمعي الذي ينتمي إلى الفقراء والمسحوقين وإلى أولئك المهمشين كرها وقسرا تحت مقصلة الاستغلال وهمجيته وظلاميته والمحور الثاني هو الارتقاء بالجمالي الإبداعي إلى مصاف ما أنجزته البشرية بتقدمها وتمدنها ومنجز العصر الذي تراكمت فيه التجاريب حتى أن طه سالم كان ويبقى شخصية تمثل جيلا إبداعيا حمل الريادة في الجنس الدرامي المسرحي الذي وُلِد برحم ما بعد الحرب الكونية الثانية..

لقد شغف الفنان الرائد سالم بأهمية البحث عن استيلاد أجناس إبداعية مسرحية مختلفة، وهو ما جعل قلمه يبدع تلك الأعمال التي اتسمت ببنيتها المعبرة عن المختلف نوعياً…

إنني إذ أسجل كلمتي في طه سالم اليوم، معربا عن خسارة ثقيلة بفقده ورحيله، أجزم أن أعماله تظل بحاجة لمراجعات ودراسات أخرى أكاديميا معرفيا وبما ينسجم مع إعلاء شأن تلك الأعمال التي يريد بعض الجهلة حرقها وغمرها بأمواه التخلف قسراً..

ومرة أخرى سيعاد حتما طه سالم الشموخ عبر خلود تلك الأعمال ولمسات الإبداع فيها وعبر القيم المضمونية للفكر التنويري الحر تلك القيم التي تبقى هدف الإنسانية للاستقرار والتحرر والسلام ولاستبدال الهمجية بقيم الجمال والأنسنة..

البقاء لك أستاذ الكلمة الشعبية الحرة المستنيرة ولجمالياتها السامية والسطوع الأبدي لنجم إبداعك ومضامينه النبيلة. وليكن رد الرحيل الفاجع هزة تستيقظ فيها بعض الأصوات التي خدرتها وضللتها قوى ظلامية متخلفة.. ليكن الرد صحوة للتنوير ولاستعادة التمسك بمرجعية الثقافة وانوارها لا الخرافة وظلامياتها، الخلود لك وللمسرح أداة تنوير وتقدم وانعتاق..

 

أقيموا النصب بأنفسكم تخليداً وترسيخاً لذياك الشموخ التنويري ولا تنتظروا رسميا ما قد لا يحصل إلا اتجارا في موائد الانتخابات وجدل لحظات عابرة عند الظلاميين.. أقيموا احتفاء بشموخ نخيل الثقافة بلا تردد ولنعبر عن وجودنا شعبا  يسمو بمبدعيه لا يتخلى عن مرجعية التنوير وذلكم ما سيبعد عنكم شرور مرجعيات الظلمة والتخلف والتجهيل لأقطاب الهمجية.. وأنتن وأنتم المنتصرون للهوية ولسطوع الأمل بمسارح ستعلو سمفونياتها تطربنا وعالمنا بأجمعه ونباهي بها لنساهم بحق في و مع إبداعات عالم التمدن اليوم وغداً

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *