الدراما و الحياة

تنبعُ أهمية هذا الموضوع من طبيعةِ الارتباطِ الجدلي بين الآدابِ والفنونِ من جهة والحياةِ وقوانين تطورِها من جهة أخرى. وتقف الدراما في هذا المجال في مقدمة تلك الأنواع الأدبية والفنية.. حيث تنبثق ـ الدراما ـ من الحياة بعد أنْ تكون قد احتوت بشكلها الخاص القوانين الموضوعية التي تتحكم في وجودها وتقدمها. وهي تعبر من خلال خصائصها النوعية والصنفية عن مستوى متطور في فهم العالم والوعي بقوانينه فهي ليست مجرد تصوير للصراع الدائر في الحياة بل تجسيد له وكشف عن جوهره مع الإضافات الجديدة التي تقدمها من خلال حلولها ومعالجاتها.

ومن هنا تأتي الأهمية المتزايدة لدراسة الدراما دراسة تفصيلية متعمقة لا تقف عند مهمة الدراسات الأكاديمية المحضة بل لتكون إجابة منهجية واعية تعبر عن مدى إمكانية تصوير عالمنا المعاصر بوسائل المسرح. ومعيار هذه الإمكانية هو مقدار تجسيد هذه الدراما للقيم والظواهر الحضارية التي يخلقها الناس بفعل تجاربهم وقوة عملهم.

                         إنَّ كلَّ عملِ ِ درامي إنما يقتصر على تقديم واحدة من هذه التجارب الإنسانية بشكل جمالي مكثّف, وهو يشكل وحدة منفصلة قائمة بذاتها, فيما لا نجد في الحياة أية تجربة منفصلة عن غيرها. وبناء على ذلك فالعمل الدرامي يتسم بقوة التركيز ووحدة وبكونه يسير بخط نمو (محوري) شديد التوتر في الوقت الذي تسير فيه التجارب الحياتية العادية بخطوط لولبية متشابكة وتشتمل على كثير من التفصيلات والتفرعات. ولهذا فالعمل الدرامي ليس صورة مباشرة (فوتوغرافية) من الحياة كما يتوهم بعضهم, لكنه جوهرها. ومن هنا كان واجبنا في المسرح أنْ نلخص الحياة ونكشفها بوساطة أدواته الدرامية ومقتضياتها.

لقد برهن المسرح بتاريخه العريق في مدنية الإنسان أنَّه كان عاملا من عوامل بناء هذه المدنية وليس مجرد نتاج لها. وأكتفي هنا بالإشارة إلى عهد ازدهاره الأول عند الإغريق والرومان مثالا على ذلك. وعلى الرغم من انحرافه بعد هذين العهدين عن خط سيره الأول وهبوطه الفكري والفني لحقبة زمنية غير قصيرة, إلا أنه عاود حياته بانغماسه في حومة المعركة الحديثة, فأصبح المسرح بمثابة ندوة تمثّل فيها أعمق المناقشات في مختلف القضايا والشؤون بروح إيجابي بناء. وازدهر المسرح من جديد بإعادة ارتباطه بالحياة من خلال معالجته موضوعات الحياة اليومية والقضايا الإنسانية الكبيرة ابتداء من تفصيلات حياة الإنسان البسيطة وأموره الفردية حتى قضايا عصره وهمومه الشاماة مثل قضايا الحرب والسلام والأمراض والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمفاهيم الفلسفية الكبرى, حيث يصبح مجتمع اليوم الملئ بالمشاكل والصراعات الحادة هو مادة الدراما. ويعبر أحد الفلاسفة عن هذه الفكرة بقوله: إنَّ ” الوضعية الغنية بالتصادمات تعتبر المادة الأساسية للفن الدرامي” (1).

إنَّ أرضية عصرنا القائمة على انقسامه إلى عالمين متناحرين, عالم قوى الخير والتقدم بالضد من عالم قوى الشر والاستغلال والظلام, تجعلنا ـ هذه الأرضية ـ نصفه بأنه عصر درامي, وهذا الوصف ليس مجردا أو اعتباطيا, بل يعود إلى تلاحم عميق بين سمات عصرنا وقوانينه من جهة وطبيعة الدراما وسماتها ـ التي يكون الصراع جوهرها ـ من جهة أخرى.

إنَّ واقعنا يقذف يوميا بمتغيرات نوعية معقدة جديدة متأتية من ذلك الكمّ الهائل من التراكمات في مجرى عملية البناء الحضاري وهو الأمر الذي يثير جدلا مبدئيا واسعا حول إمكانات الإنسان ودوره في هذا الواقع وحول آفاق التغيرات الحتمية للتطور وما يخلقه هذا التطور من ضرورات فهم التعاقب التاريخي والجوهر الاجتماعي لأشكال الفن بوصفه نتاجا مؤثرا لعملية التطور والتغير.

ولنلاحظ هنا مسألة التلاحم بين المضامين وهي ما تتناول الإنسان وقضاياه الحياتية والشكل الفني الذي تتطلبه الأنظمة الموجودة في صيرورة دائمة الحركة والتغيّر. ويمكن القول إنَّ كل الأعمال الأدبية والدراما من ضمنها, إنَّما تجسّد مرحلة تاريخية بعينها من مراحل تطور المجتمع, وهذا صحيح إلى حد بعيد, ذلك أنَّ كل مرحلة حضارية تفترض لها الأعمال الأدبية التي تجسدها ولا تأتي أصنافها وحدود بناها الشكلية اعتباطا أو مصادفة بل انسجاما مع حالات الوعي البشري لذاته أو للعالم الموضوعي المحيط به.

ولنلاحظ أيضا أنّ الصراع الذي يحتدم بين الأخيار والأشرار في أية مسرحية يعكس أهدافا فكرية خاصة, إضافة إلى التسلية, ولهذا الصراع الذي دلالة اجتماعية تعكس موقف الكاتب الدرامي إزاء الواقع وتمثل رموزه صراع الفئات الاجتماعية في المرحلة المعنية. ويمكننا بناء على ذلك, افتراض أنّ كل شئ في الأدب اليوم يحث الخطى نحو الدراما بوصفها النموذج الأدبي الأمثل لعصرنا, ذلك أنّ التناسب الجديد بين القوى الاجتماعية الذي أخذ يتكون في عصرنا الذي اتسم بالمجابهة التاريخية بين الشعوب والنظم المختلفة, هذا التناسب أخذ ينعكس تدريجيا في جميع الأجزاء المكونة لمضمون الأدب وشكله. ولقد استجاب الأدب لهذه الوضعية التاريخية الجديدة وذلك بإعادة بناء الشخصية على وفق سماتها المعاصرة وبتوظيف طرق جديدة لمعالجة موضوعات العصر الحديث وقد رافق تلك الوضعية تحول واسع وشامل في الأشكال الصنفية.

إنَّ اغوص في دراسة هذه المسائل لا يسمح بالتغلغل في القوانين البنائية للدراما فحسب, بل يسمح أيضا بتناول الأساس الفكري والجوهر المضموني لها, وكذلك الكشف عن قربها العضوي من المسائل المعاصرة اليت يدور حولها الجدل بين ممثلي العقائد المختلفة, حيث تطرح قوى معينة مسألة تحييد الفن والأدب بدعوى أنها مجرد قيم شكلية صرفة لا تعكس أكثر من الانفعالات والأحاسيس الذاتية للفنان والأديب وهو الأمر المعلن تحت شعار “الفن للفن”. إنَّ هذه القوى تبحث عن عناصر الجمال في الجميل شكلا بحيث يصبح عندها الشكل الفني والأدبي غاية بذاته .. ويعبر هايدجار عن هذه الفكرة إذ يرى أنّ المهمة الأساسية هي العثور على جذور الأدب في “الزمن المجرد” أي في اللازمان, في منطقة خارج حدود الواقع في ذات الوقت الذي تنكر فيه هذه القوى دور القيم والظروف الموضوعية ومضامينها, ذلك الدور الفكري الجوهري الذي يستمد العمل الدرامي قيمته منه.

إنَّ الجمهور يتطلع إلى المسرح على أنَّه رمز من رموز كفاحهم وأمانيهم, حيث يهدر في مسامعنا من فوق خشبة هذا المسرح وقع الخطى الصاخبة للإنسانية وهي تتحرك على هذه الخشبة. وفي الوقت الذي يصبح فيه الدب حاجة حضارية فإنّ الحتمية التاريخية تفسح الطريق أمام نشاط الأدب مع عدم إغفال محاولات تفريغه من محتواه من خلال العمل على دعم سيادة النزعة الشكلانية وأضرابها من صيغ أدب النظم الاستغلالية.

إنَّنا لا يمكن أنْ نغفل تلك الوحدة العضوية بين الشكل والمضمون فصورة المضمون لا تنفصل بأي حال عن دلالته وكلّ عمل إنَّما يعبّر فضلا عن معالمه الفنية الشكلية عن وجهة نظر هي التي تهب هذا العمل الفني في مجموعه الوحدة والانسجام ومن دون ذلك لا يبقى ثمة هذف ولا معنى للعمل بأكمله.

إنَّ شكل النوع الدرامي وحتى كل صنف فيه يقدم لنا شيئا محددا قائما بذاته من حيث المعنى ومن حيث المدلول العام المجرد. يقول كوزينوف بهذا الصدد: ـ “إنَّ ما تنفرد به مضمونية الشكل هذه تكمن في أنّها تمثل مضمونية عامة جدا ومجردة, بينما يكون المعنى المتكامل للعمل الأدبي ملموسا وفريدا من نوعه , غير أنّه بدون فهم هذه المضمونية العامة للشكل … فإنَّنا لن نستطيع أنْ نلتقط حتى المضمون الملموس لهذا العمل الأدبي”(2).

إنَّ المهم في المسرحية بوصفها أدبا هو الفكرة, وليس الكلمات. إنَّه موضوع الكاتب الذي يربط بين أجزاء المسرحية ويعطيها أهم ما في الفن بأجمعه وأعني هنا وحدة الانطباع والمضمون الذي تعكسه. وكثيرا ما يكون لدى المؤلِّف المسرحي فكرة جدية تكمن وراء توفير الاستمتاع والترفيه, وما يحتوي على غذاء الفكر في القضايا التي تهمّ الفرد والمجتمع, ولكن هذا لا يعني أبدا أنّ المسرحية يجب أنْ تكون أداة للوعظ والإرشاد, فالجمهور لا يتقبل من العمل الدرامي الفكرة من دون المتعة والجمال , وقلّما يظفر عمل درامي منهم بالتقدير إنْ لم يؤدِ هذه المهمة المزدوجة.

إنَّ دراسة وجهَي العملية الدرامية تدخل في الممارسة النقدية الواقعة في الزمان والمكان المحددين الملموسين لا خارجهما. وهذا يتطلب من الممارسة النقدية دراسة النصِّ دراسة تاريخية عريضة, تلك الدراسة التي تُعنى بالعصر ومعارفه ومذاهبه وبالمقاييس الأدبية والخلقية السائدة في المرحلة المعينة وهو ما يفضي بنا إلأى أنْ ندرك أنَّ أدبا لا ينتمي إلأى الواقع ويمدّ جذور معالجاته فيه, لا يكون إلا هياكل صمّاء مشوّهة لا تعبر عن حقيقة الأدب الحيّ.

إنَّ إدراك العلاقة الجدلية القائمة بين الشكل والمضمون ووحدتهما العضوية يكشف لنا سرّ ذلك الارتباط الحيوي العميق بين الدراما والحياة وتبادلهما التأثير والتأثر على وفق سياقات قوانين وجودهما وتطورهما. ولا يشكل هذا المقال سوى استقراء سريع أو مقدمة لدراسة أوسع في هذا المجال المهم الذي يشكل أساسا لفهم الدراما وتطويرها.

المصادر:

1 ـ   كوركينيان(الدراما) القسم الرابع من موسوعة نظرية الأدب الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ط2 1986 ترجمة د. جميل نصيف.

2 ـ   إيلسبورغ ( قضايا الشكل والقصص الشعبي) القسم الأول من موسوعة نظرية الأدب ترجمة د. جميل نصيف.

3 ـ   أشلي ديوكس (الدراما) ترجمة محمد خيري, القاهرة.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *