في يوم المسرح العالمي: دعوة للتضامن وأخرى للعمل

كل عام يلتقي المسرحيون ليحتفلوا بإبداعاتهم وليجددوا مسيرة العمل المسرحي المثمر عطاء وحياة وجمالا.. ولقد شارك المسرحيون العراقيون زملاءهم, منذ حوالي القرن والنصف من العروض المسرحية المعاصرة ومنذ أول مسرحية وطنية (محلية) النص “لطيف وخوشابا” كان لإبداعهم المستمر عطاء وتألقا دوره في بناء صرح المسرح الحديث.

ولكن تلك المساهمة لم تكن فاعلة بالحجم الذي مثله النص الدرامي العراقي من جهة ولا بالقدر الإبداعي لمخرجي مسرحنا وفنانيه! ذلك أنَّ مسرحنا ظل حبيس عدد من أفعال النظامين السياسي والاجتماعي المتخلف وقيودهما في بلادنا. وهو الأمر الذي فرض مصاعب وعراقيل ليست بالهيِّنة ما أدى تعارض ومن ثمَّ اصطدام واضح بين الخطاب المسرحي ومنتـَجـَه الفني وطبيعة ما فرضه النظام من قيود..

ومع ذلك لم يغادر مسرحنا طبيعة خطابه وحافظ على خصوصية ذياك الخطاب من حيث هو معالجة جمالية و [إبداع] للقيم الفنية المعبرة عن الحياة الإنسانية بمضامينها الجوهرية الممتلئة لا الفارغة السطحية. فجاءت تلك المعالجات إيجابية المنحى غير ساذجة ولا تتعاطى الأمور من مظاهرها الخارجية بل تستبطنها متفحصة الدواخل وإنْ ظلت كما أسلفنا القول محافظة على منهجها الجمالي في التناول…

من هنا كان المسرح منطلقا لمظاهرات الاحتجاج والمطالب الوطنية ومن هنا جذب المسرح العراقي إليه خيرة أبنائه ومثقفيه, ومن هنا أيضا كان ومازال أداة بناء عبر التصاقه بأوسع جماهير الشعب. وإذا كان للمسرح فرجته الخاصة وإذا كان له جمهوره الخاص فإنَّ ذلك يعني من خلال وجود هذا الجمهور في أرجاء قاعاته المكتظة بهم أنَّ العراق يمتلك اليوم تلهفا جديا مهما وبحجم ذي شأن كبير في العلاقة بين المسرح والجمهور ومن ثمَّ في قدرته على التاثير المباشر الفاعل..

إنَّ عبارة أعطني مسرحا أعطك شعبا مثقفا ما زالت حيوية وتمتلك حضورها من خلال واقع مسرحنا وجمهوره. ولأنَّ العراقي ابن حضارة ووعي متقدم ولأنَّه يملك تراثا مميزا في تلك العلاقة, فإنَّنا أمام حقيقة تفعيل المسرح وجهوده في عملية التغيير القائمة ؛ في عملية إعادة البناء وهنا المسألة تتعلق بإعادة إعمار أخطر أمر؛ إنَّه إعادة إعمار الذات الإنساني المخرّب طوال عقود طويلة من الزمن…

هذا فضلا مقاومة تخريب نهازي الفرص من الذين أتاحت لهم الحريات الواسعة وعدم وجود الرقيب والعقوبات أو المحاسبات (الضوابط) القانونية المناسبة, مجالات سبهللة للقيام بأفعالهم السلبية المرضية الخطيرة.. من مثل عمليات تجيب المجتمع وشل قدراته العقلية وتعطيل عمله الفكري النيِّر ومصادرة إمكانات عمله الإبداعي بتوصيف ذلك من البدع المكفـَّرة أو المباح دم مَنْ يتعامل بها..

إنَّ فعل مسرحنا العراقي ينهض اليوم بأكبر المهام وأجلـّها وأكثرها خطورة, إنَّه يقوم بمهمة بناء الروح والاستجابة للحاجات الروحية الجمالية من جهة ولمعالجة نواقص وثغرات وأمراض هي تركة أيام القحط والجدب والمعاناة الطويلة. إنَّه نهر المياه الزلال العذبة التي ينتظرها عطش الناس متيبسي الشفاه يريدون تلمظ حلاوة الحياة وجمالها بعد أيام الظلام والعتمة والبؤس وفقر المعرفة وتشويهها وتشويه جماليات الناس وحقهم بالمتعة وبالاستجابة لحاجاتهم الروحية الغنية الثرة الطموح…

وهكذا سيكون على الفنان النهوض بمهمته العتيدة من جديد وهو الذي قدم يوما تضحياته بروحه حيث شهداء الفن يوم كان الفنان يُساق إلى الزنازين لأنَّه ارتدى بدلة بلون أحمر! أو لأنّه قدم حركته مبتدئا من يسار الركح! أو لأنَّه انتهى منها في اليسار! اليوم في ظلال الحريات والانعتاق من ربقة كابوس الظلمة, لا يريد الجمهور ولا المسرحيون أنْ يسمحوا لبقايا الظلمة أنْ تعود إلى أجوائنا من جديد بأي لباس كان حتى لو أسقطوالا عليه قدسية كل أدعياء الخرافات والأساطير ومجانين العبودية وسادية تعذيب البشر باسم الله زورا وبهتانا…

لا نبخلنَّ على جمهورنا بحركة إبداعنا ولنستغل الشوارع والميادين والحدائق لتقديم أعمالنا ولتكن من وسائل جذب جمهورنا النزول لتلك الميادين والساحات ولنعلن عن وجودنا حيث أرض الرافدين أرض المسرح السومري الخالدة أرض أصول الدراما العالمية ومنابعها الثرة المعطاء…

فدعوة أولى للعمل والعطاء وهي تأسيسية لمرحلة جديدة تماما في عراق المسرح السومري العظيم. ودعوة رديفة هي تلك التي نقدمها لزملاء المسرح العالمي في أصقاع المعمورة وهم يحتفلون في عامنا الذي تحررنا فيه من دكتاتورية الموت والخراب والقبح لندخل معهم من جديد ولنعاود المسيرة في عالم الحياة والبناء والجمال …

إنَّ دعوتنا هذه تمتلئ في الأنفس طموحا وأملا في تضامن عالمي لمسرحيينا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا ومن أشكال تضامنهم البدء بمشروع للتجمع في بغداد مثلا في أعياد تموز ومن الطبيعي أنْ ننتظر زيارات الفرق العربية ومن دول الجوار الإقليمية من دون انتظار كثير ليساهم الجميع في تقديم أشكال التضامن وهنا سيكون العرض المسرحي بجمالياته وفنونه ومدارسه ومذاهبه هو الموعد المنتظر وهو مما استغرق انتظار جمهورنا له طويلا…

اليوم ستغني بغداد بعد أنْ تعلن طرقات المسرح الثلاث لحظة الإيذان برفع الستار عن يوم الجمال الساحر يوم العشق للحرية حيث لا يستطيع الجمال أنْ يحيا بغيرها وحيث يختنق ليعلو القبح في ظلال القيود والحدود. حيث يرتجي مسرحيونا بداية أخرى لفعلهم وإبداعهم ولتضامن مسرحيي العالم بتقديم عروضهم هنا في قاعة العرش البابلي وفي باحة مدينة جلجامش ومسرحها التاريخي الأول وفي سوح مدن الشمس والربيع والنخيل والرمال الفاتنة…

يوم خالد مجيد يوم سعيد يا مسرحنا العراقي وكل عام وأنتم الأجمل الأفضل والأروع وجمهور مسرحنا الأكبر والأسعد عامكم عام الحرية والخير والعطاء أصافحكم أقبلكم واحدا واحدا وأرجو لكم إبحارا من شريعة جديدة لنلتقط صورة جديدة لعالم سعيد جديد….

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *