رسالة المسرحيين العراقيين بيوم المسرح العالمي: اليوم تورق سنديانة المسرح العراقي الحديث

رسالة المسرحيين العراقيين بيوم المسرح العالمي: اليوم تورق سنديانة المسرح العراقي الحديث

ويُعاد بناء بيت أكيتو السومري شامخا كما كان مهدا وتراثا إنسانيا خالدا

في مسرح الحياة.. مع زمجرة مجنزرات االحرب، هدرت حناجر الإنسانية متطلعة ببصيرتها إلى حيث موئل تراث الإنسانية. وحيث بيت أكيتو، المسرح السومري الأقدم عالميا يتوسد اليوم أرض الرافدين حزينا، ملتحفا سماء ملبدة بغبار أزمنة مثقلة بالمعاناة.. وعلى الرغم من مدلهم الخطوب التي  أوقفت عروض بيت أكيتو وكادت تطمره في غياهب النسيان إلا أنَّ المسرح العراقي عاد ليولد من جديد كعنقاء أساطيره  الباقية، في رحلة الانبعاث العراقي الذي شرع ربيع نهضته في النصف الثاني من القرن التاسع وتحديدا بولادة “لطيف وخوشابا” في العام 1892 كأول مسرحية عراقية معاصرة. وهي سليلة المسرحية السومرية الأخلاقية الملتزمة  بقيم مجتمع التحضر والتمدن..

وإذا كان المسرح العراقي قد جابه عقبات زمن التخلف من إقصاء وتهميش ومن ازدراء تحكمه ذهنية مريضة، فإنّه في الحقيقة وُلِد شامخا بأهدافه؛ كونه تعبيرا عن قيم النهضة ووجهها الحضاري المشرق بالتنوير وقيم التقدم الاجتماعي والدفاع عن حرية الإنسان وحقوقه.. ومن هنا  قدم المسرح العراقي إبداعه لا حصرا في مناقشات موضوعية فكرية بحتة بل عبر قيم إبداعية تعبيرية جمالية مميزة.. فاتسم بملحميةِ ِ وروح تسجيلي جايل ولادة درامية شبيهة وكانت أول مسرحية لمسرح اللامعقول (العبث) على يدي المبدع يوسف العاني في العام 1949 سابقا بها الولادة الأوروبية لهذا الجنس الدرامي.. وصار المسرح العراقي يتقدم ببنيته الدرامية  وقيمه الإبداعية بثبات، ليتحدى المصاعب والأوصاب العصية ومنها تدخلات الرقيب وعنف السلطات السياسية وغيرها تجاه فناني المسرح..

لقد اعتنى العالم الحديث بالمسرح والمسرحيين وكرَّمَهم وأعلى من مكاناتهم ومسؤولياتهم في إشادة المدنية والحياة العامة كون ما يقدمونه يدخل في أبرز الحاجات الروحية ضرورة في ثقافة عصرنا.. فدرس الأكاديميون والمتخصصون النموذج (الغربي للمسرحية) المحتفى به بوصفه مسرح النشأة الأول فيما أغفِل مسرح النشأة الحقيقي حيث الحضارة السومرية موئل تراث الإنسانية.. ويُغفَل اليوم أمر ريادة إبداعنا العراقي بل يحاصر النشاط المسرحي ويُهمل بما يزيد الفنان المسرحي أعباء وأحمالا غير منصفة.

وما زال المسرحي العراقي بلا قوانين وتشريعات تحميه؛ وهو يئن تحت مطرقة سياسة التمويل الذاتي الذي يكرهه على ترك إبداعه المسرحي الحقيقي منشغلا  بلقمة العيش أو بمشاطرة أنشطة أخرى تخلط الأمور وتشوهها.. والفنان المسرحي العراقي يعاني اليوم من حصار فنه في إهمال خطير لمباني المسارح لا التراثية السومرية والبابلية والآشورية حسب بل والحديثة المعاصرة أيضا.. فضلا عن تعمّد قوى الإرهاب للمسرح والمسرحيين وجمهورهما في وقت يجابهان العنف الدموي بلا حماية جدية مسؤولة من السلطات…

إن المسرحي العراقي وجموع المثقفين والمبدعين وجمهور المسرح العريض يطالب اليوم بإلغاء مبدأ التمويل الذاتي وسنّ القوانين والتشريعات التي ترعى الفنان المسرحي في حياته العملية وعند تقاعده وفي ملمات يومه وتفاصيل أوصابه وأزماته وبتوفير الحماية الأمنية من التهديدات والهجمات الإرهابية.. وبالتأكيد في رسم الاستراتيجيات المناسبة لمشروع إحياء بيت أكيتو السومري واستثماره مسرحيا وفي مجموع الشؤون الحيوية الأخرى..

فالفن المسرحي ليس عبثا أو لهوا فارغا،  إذ أن دوره يمثل ركنا أساسا في إعادة الروح الوطني وتفعيل قيم الوطنية والمواطنة والإنسانية بمفردات وجودها الصميم.. ولقد انبثقت أنشطة شعبية اجتماعية وسياسية كبيرة من بين جدران مسرحنا العراقي الحديث، وقدم مسرحنا العراقي خطابا جماليا ثقافيا مهما.. حتى بتنا بمجابهة عطاءات ومهمات أبستمولوجية اخترقت الحياة العامة وتفاصيل أيامنا العديدة المتنوعة عبر قيم مسرحنا الإبداعية… وصرنا بصدد معجم متكامل جديد عبر ما قدّمه خطابه بكل كنوز مدارس مسرحنا المتنوعة وتمثيله المسؤول للطيف العراقي قوميا ودينيا وسياسيا وبمستويات التركيبة الاجتماعية العميقة من طلبة وشبيبة ونساء وعمال وفلاحين ومثقفين وأكاديميين..

ولكنَّ كل ذلك لم يأتِ من فراغ وبلا تضحيات نجمت عن ظروف التهميش والإهمال واالمطاردة البوليسية وقمع الصوت النبيل.. ومثلما أرعب إبداع شابلن وبسكاتور وبريخت قوى التخلف والاستغلال ومثلما أقلقت مسارح الأوتشرك والتسجيلي والتغريبي قوى الفساد والدكتاتوريات فقد كان يوسف العاني وزينب وناهدة الرماح وسامي عبدالحميد والعبودي وجلال ونور الدين فارس وكانت مسرحيات أنا أمك ياشاكر والخرابة والمفتاح ومدارس مسرحية عراقية كبيرة تشكل أفعالا نبيلة وشموسا مضيئة لمكافحة سطوة صانعي الظلم والظلمة وإزاحة سلطانهم الجهنمي..

واليوم في وقت تستباح الأجواء ليغدوا الفنان المسرحي عرضة لأبشع جرائم التصفية وأخطرها جسديا ماديا وعلى كل مستويات المطاردة والإقصاء والاستلاب بمختلف فعاليات الجريمة ومستوياتها، يلزم العمل من أجل تعزيز الجهود المنظمة لمسرحيينا وتفعيل المركز العراقي للمسرح واستعادة عافيته وتعزيز صلاته عالميا وإقليميا بما يعود على مسرحيينا بأعمق حملات التضامن المؤملة اليوم وهم في ظل هذه الهجمة الوباء من مختلف فعاليات الجريمة..

وبالتأكيد لابد من تفعيل اتحاد مسرحي حقيقي وروابط تخصصية للممثل ولكل بُناة العملية المسرحية إبداعا جماليا حقيقيا ولابد اليوم من تأكيد وجود روابط من نمط رابطة نقاد المسرح في العراق وإقامة الاحتفاليات ومهرجانات الإبداع ومناسباته، احتفاء وتكريما وعناية بروادنا ومجددينا والبحث عن كل السبل التي يمكننا عبرها أن نغذي مسيرة جديدة وجدية فاعلة لتبقى أضواء صالات العرض مشتعلة كواكب وشموس منيرة مضيئة في حياتنا…

ومن خلال روابط العمل المسرحي بتخصصاته المتنوعة سيكون على مسرحيينا أن يبادروا لكتابة مشاريع قوانين تعالج أوضاعهم وعرضها على  السلطات التشريعية والتنفيذية بدل انتظار أن يتقدم لهم طرف ما بهذا العمل المهم.. وسيكون لصحافة متخصصة ولهيئات أكاديمية ودوريات بحثية علمية فرص أخرى لمشوار الفعل الإبداعي المتصل المستمر المتجدد وإمكان صياغة تلك المشروعات والدفاع عن مسألة إقرارها وتعميدها وتشريعها..

إننا اليوم وبمناسبة يوم المسرح العالمي (27 آذار مارس) ليحدونا الأمل لموسم مسرحي آخر من البذل والعطاء ولقرارات مكتسبة  منجزة لمسرح عراقي حي نابض بالحيوية.. محيِّين هنا بالمناسبة مسرحيينا الذين ما زالوا يتحدون الظلمة وما تحتها وخلفها من جرائم الضلاليين من مسعوري زمن الجريمة واستباحة كل ما يمتّ للعقل وللمنطق والتنوير والحياة الإنسانية الكريمة.. ولجموع مسرحيينا في المهاجر والمنافي أن يساهموا في شد أزر زملائهم وزميلاتهم في داخل الوطن بتفعيل ملتقياتهم وروابطهم بجميع الوسائل التي يمكن أن تغني حركة المسرح ومنتجه الإبداعي وتدعم ثروتنا المسرحية وما توصلنا إليه لنزيل في طريقنا كل عوامل الاحباط وتثبيط الهمم…

إنَّ مجتمعنا ينتظر منّا نحن المسرحيين أن نواصل مسيرة قرن وربع القرن من بشارات تطور مجتمعنا ورقيه وللسير به حثيثا إلى الأمام الأمر الذي يؤمل في مسرحنا أن يجدد دوره الحضاري المدني في إشادة رؤية وجودنا العراقي وهويتنا الوطنية الإنسانية المتفتحة.. وسيكون لتلاحم جغرافيا الوطن وسيلة لشعاع المجد الخالد في رعاية مهرجانات النور المسرحي في أرجاء عراقنا وهناك في أحضان جبالنا الشماء الآمنة وفي ربوع بيت أكيتو في مدن سومر الخالدة، ستهدر مجددا قاعات مسرح عراقي أصيل بلغات الوطن وشعبه؛ العربية والكوردية والسريانية الكلدانية الآشورية والتركمانية وبخطاب مسرحي تنويري معرّف لدى جمهوره المنتظر بشغف…

ولابد سنلتقي قريبا في مسرح بغداد واليوم والشعبي والوطني والرشيد والأكاديمية ومعهد الفنون ومسارح وقاعات العروض الرحبة بأهلها الممتلئة المتلألئة بهم وستبقى أضواء مسارحنا المتفتحة ساطعة دوما.. ويوم نلتقي سيكون التكريم الأوفى لمسيرة مسرحنا ومسرحيينا وكواكبهما وشموسهما ليتأكد عمق اللحمة بين جمهور المسرح من أبناء شعبنا وبُناته من فنانات وفناني مسرحنا العراقي  حاملي رسائل السلام في زمن العنف وهم المقدمة الأروع لغدنا الأفضل عراقيا وعالميا…

في يوم المسرح العالمي وفي أحضان مسرحيي العالم وصدورهم الرحبة  نحيي بهذه المناسبة هدير حناجر المسرحيين وسلطان أقلامهم ورسائل خطاباتهم التي تعيد لحيواتنا جمالياتها الحقة مؤكدين على أنَّ انتصار الجمال على  القبح لا يأتي إلا بأدوات خلق الجمال متفاعلا مع الحياة الحرة للبشرية ووقع مسيرتها المعاصرة صوب انعتاقها النهائي مهما ادلهمت خطوب الزمن العاتية واشتدت عواصفها كما هو حال الواقع العراقي وما يحيط بمسرحيينا في الوطن والشتات…وتحية محبة وإجلال وبورك في جيلي الرواد والمجددين ولتسلم إبداعاتهم أداة مشرقة لشمس الحرية والحياة الكريمة….

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي.. أستاذ الأدب المسرحي \ رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر.. رئيس الجمعية العربية لأساتذة الأدب المسرحي

لاهاي – هولندا  27 آذار مارس 2009

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *