الرسالة السنوية لمسرحيي العراق في اليوم العالمي للمسرح 2015

هذه كلماتٌ هي أجراس أقرعها سنوياً؛ لعلّها تمثل جانباً من رسائل مولودة من رحم وجودنا المسرحي إلى مسرحيينا العراقيين في الوطن والمهجر وعبرهم ومنهم إلى مسرحيينا في العالم، بمناسبة كرنفال اليوم العالمي للمسرح. ولهذا فهي تقرأ بأدوات نظرية المسرح لتستكمل معالجتها ومضامينها برسالة خطاب المسرح ومطالبه.

أما النظرية، فلطالما أكدت على أنّه عندما وُلِد المسرح عبَّر عن الانقسام المجتمعي وطابع الصراع، بوساطة الحدث المسرحي الأحادي؛ مثله مثل ولادة الخلية الأحادية الأولى المؤسِّسة للحياة. ومع تعقّد التركيبة المجتمعية اليوم، بات على هذا الحدث\الفعل أن يتخذ وسائل أكثر تعبيراً عن الواقع وتشظيات الصراع فيه. فحتى وجود تعددية في الحدث المسرحي لم يعد ممكناً لها إكمال التغطية الشاملة لطابع التعقيد في تركيبة الصراع المعاصر، الأمر الذي تطلب ويتطلب تغييراً بنيوياً لدراما اليوم وجمالياتها.

ومن دون هذا الاستيعاب الجمالي البنيوي للحياة، لا يمكننا الحديث عن دور فعلي للمسرح ووجود نتمسك به. ومن هذا المنطلق نجد أنّ ما يُسمى أزمة النص المسرحي و\أو المنجز الإبداعي المسرحي، هي ليست بأزمة بالمعنى الضيق للمصطلح، في سياق مغايرة واختلاف بين مستويات النضج والتقدم في الجهد افبداعي عالمياً. ولكنّها في الحقيقة لحظة ولادة جديدة بكل ما تفترضه الولادة من آلام المخاض الطبيعية.

لقد شهد مسرحنا العراقي، معالجات مسرحية قدمت الحدث الدرامي الذي يستوعب المتغيرات بكل ما فيها من ماساوية طاحنة لوجودنا وإنسانية هذا الوجود. ولعل المعالجات الجمالية (الدرامية) اقتصرت وهي في لحظات ولادتها على صورة الصراع ودرجة تعقيدٍ مركبة، إلا أنّها في النهاية نقلت الحدث من حالتي الأحادية والتعددية إلى وجود نوعي جديد، حاول ومازال أن يقرأ الحدث الواقعي في حيواتنا بخلفية فلسفية جمالية تتناسب والعمق المتخفي للصراع في عالمنا وفي عراقنا.

إنّنا في المسرح العراقي كنا قدمنا مسرحية اللامعقول حتى قبل تقديمها أوروبياً عالمياً؛ وها نحن نحاول تقديم مسرحية جديدة ومنهج جديد يتطلع لأضواء من زميلاتنا وزملائنا من مبدعي المسرح في عالمنا. فالقضية الأعمق (مسرحياً) ليست في نداء حقوقي معنية به، بشكل رئيس، الحركة الحقوقية لتقف مع المسرحي العراقي الذي يجري تضييق الخناق عليه ومحاولة تصفيته بأشكال دموية بشعة وبالتطهير الثقافي الشامل لمنجزه المعاصر والقديم عبر محاولة تهديم آثار المسرح الأعرق إنسانيا كما هو حال مسرح أكيتو الحاضر بين آثار سومر الباقية…

أيها الأصدقاء في المسرح العالمي، إننا إذ نكتب رسائلنا سنوياً، نشاطركم عبرها بتجاريبنا وظروف عملنا ونتبادل التحايا والتهاني بعيد نحلم به على مدار العام، فنحن نؤكد بذلك صواب انتماء المسرحية، فناً أدبياً إبداعياً، لوجودنا الإنساني الأوسع والأرحب ورفضه المحاصرة بحدود، تريد تقطيع أوصاله بين تشظيات جغرافيا خطابات غير خطابه الجمالي الإنساني الكامن في وحدة وجودنا.

ومن هنا، فإنّنا نتمسك بالعيد (العالمي) للمسرح، عيداً أممياً إنساني الجوهر والغاية. ونتمسك بفلسفة جمالية لا تقبل القولبة والسجن خلف أسوار لا تمثل سوى محاولات الأسر في قيم الظلام ومجاهل التخلف. ومعالجاتنا الجمالية تدرك أنّ ما يجري في بلادنا من صراعات بمسرح الحياة الواقعية له خلفياته الممتدة على مساحة كوكبنا..

والصحيح في هذا هو أنْ يجسّد المسرح الحديث طابع التعددية والتنوع في الفعل الدرامي بمنطق يقرأ المتغيرات العميقة في عالمنا. وإلا فإنه سيبقى حبيس السذاجة وتخبطات شكلانية فارغة. بينما نتطلع وإياكم لجماليات تخترق عمقاً بنيوياً جديداُ لأجناس درامية أخرى تستحقها البشرية ويستحقها شعبنا في التعبير عن قيمه الوجدانية وانفعالاته ومشاعره بوصفها إبداعه المسرحي المعاصر.

إنّ هذه الرسالة ومضامينها الجمالية والنظرية النقدية تتطلب باستمرار اللقاء في باحة مسرحنا المعاصر الجديد تفاعلا لتجاريبنا كافة وقراءة معمقة لتلك التجاريب. واستثمار اللقاء لتوكيد مطالب الخطاب المسرحي، وهو الخطاب الذي تدوسه يومياً في بلادنا مجنزرات الحروب الدامية  ووحشية عنفها وهمجيته.

وفي ضوء رسالتنا باسسها النظرية هذه ومضامينها، فقد حددنا توجهاتنا الآنية والاستراتيجية لخطابنا المسرحي والظروف التي تتحكّم به موضوعياً، بالآتي:

  1. الردّ على ظاهرة إغلاق صالات المسارح والتصدي لجريمة تخريب مبانيها الآثارية القديمة والتراثية.. والعمل على وقف عمليات الهدم والنهب لمسرح أكيتو وللشواخص التاريخية المهمة بحملات وطنية ودولية ضد جرائم الحرب المرتكبة علناً وأمام أنظار العالم، ونحن ندعو اليونسكو والمنظمات الأممية المعنية جميعاً للمساهمة معنا في هذي المهمة النوعية الكبرى، سواء بما يتعلق بترميم المسارح وبنائها أم بالحفاظ على التراث الإنساني.
  2. خوض حراك فلسفي جمالي لمسرحيينا ضد جرائم التجهيل ومحاولة إشاعة الأمية والتخلف، عبر تفعيل دور المسرح في بناء القيم الروحية الثقافية المعاصرة التي يمكن بوساطتها إعادة إعمار الروح الوطني وتفعيل مبادئ الوطنية والمواطنة في إطار الدولة المدنية لا الدينية المنكوبة بخطاب التضليل والمزاعم الواهية الدعيّة…
  3. ومثلما غنى القيم الروحية في مجتمعات التمدن المعاصرة يلتزم المسرحيون العراقيون بمواصلة الجهود بأشكالها من أجل تحقيق حرية الإبداع ووقف جرائم المصادرة والاستلاب والتصفيات الهمجية البشعة بكل مفرداتها الخبيثة…
  4. وبالضد من جرائم قوى الطائفية والإرهاب التي تعتمد فلسفة التطهير العرقي والديني، سيعزز المنجز المسرحي العراقي الحديث عمق صلاته بطابع التعددية والتنوع ووحدة وجودنا الوطني والإنساني وتجسيدهما في البنى الدرامية الجديدة بالبعدين الجمالي والفلسفي. وسيكون في هذا الإطار توجه لتعميد المنجز المسرحي العراقي بلغات الوطن ومكونات شعبه: العربية والكوردية والسريانية والتركمانية والأرمنية وبخطاب مسرحي تنويري معرّف لدى جمهوره المتنوع.
  5. ومما ينتظر مسرحيينا جهود إقامة الاحتفاليات ومهرجانات الإبداع ومناسباته، احتفاء وتكريما وعناية بروادنا ومجددينا.. وأول ذلك تعزيز التقليد السنوي للاحتفال باليوم العراقي للمسرح وبأيام مسرحية أخرى تشكل تقليداً في المدارس والمؤسسات وتعبر عن المكونات القومية ولغاتها؛ مؤكدين هنا بأن أوسمة بأسماء مبدعات ومبدعي مسرحنا كما: زينب والرماح والشبلي وجلال والعبودي والعاني وعبدالحميد ستطوق رقاب مبدعي المسرح ليس بعيداً.. مع اكتمال الجهود لمرسوم تلك الأوسمة المهمة وطنيا وإقليميا وعالميا…
  6. ونحن نتعهد بمواصلة المشوار من أجل استعادة (المركز العراقي للمسرح) فاعليته ووجوده الميداني، وطنيا وإقليميا ودوليا. وسيتنامى الجهد عبر ((اتحاد مسرحي فاعل وروابط تخصصية للممثل ولنقاد المسرح)) ولكل بُناة العملية المسرحية إبداعاً جمالياً حقيقياً…
  7. لقد تأخرنا عملياً وربما فشلنا حتى الآن في تأسيس الهيآت الأكاديمية المتخصصة الوطنية والمحلية والإقليمية، إلا أنّنا نجدد النداء (الأكاديمي) اليوم من أجل الإسراع بهذا التوجه الملزم بغاية تطوير الأداء والارتقاء به وتحويل الموجود من مشروعات إلى وجود فاعل بانعقاد مؤتمرات متخصصة مستثمرين الوسائل المناسبة لهذا التوجه وتفعيله وعدم انتظار غودو الرعاية التي قد لا تأتي في المدى المنظور.
  8. ونحن نتطلع ونعمل على استنهاض همم جميع الجهات الأكاديمية والقطاعية المتخصصة من أجل تأسيس صحافة ورقية وألكترونية مسرحية ودوريات بحثية علمية متخصصة في الجامعات والمعاهد العلمية مع تعزيز أعمال التوثيق والنشر بسلاسل لمسرحياتنا التراثية والحديثة والمنتخبة أو سلاسل بحسب تبويبات مناسبة معروفة..
  9. وفي ظروف تنامي ظاهرة الفقر والبطالة والسحق الوحشي لطاقات الإنسان واستلابه حقوقه المادية والروحية يجب مواصلة البحث في وسائل مناسبة يمكنها الارتقاء بفرص العيش الكريم لمسرحيينا والعناية بأوضاعهم وبتفاصيل يومهم العادي وما تتضمنه من أشكال الأوصاب والمعاناة؛ وقيمياً ينبغي على قوى المسرح العراقي النضال لإلغاء النظرة الدونية وإزالتها سواء من بعض ما يشاع مستغلاً أحوال الجهل والتخلف أو ما بقي من ممارسات على المستوى الرسمي كما بتلك المصطلحات ومعانيها في جوازات السفر الخاصة بالفنان..
  10. لقد اضطر مئات وآلاف المسرحيين العراقيين للهجرة القسرية الاضطرارية، وهم بعد كل تلك العقود ما زالوا يعانون من الإهمال في غربة المهاجر والمنافي، لذا وجب الانتباه على أهمية تعزيز رعاية مؤملة لتخصيص يوم للمسرح العراقي المهجري يدعى إليه مسرحيونا للاحتفال في أروقة مسارحنا في بغداد وأربيل وبقية محافظات الوطن البهية، مثلما يلزم دعمهم في بيئاتهم المهجرية لمزيد من التفاعل وتبادل التأثير الإبداعي بهوية إنسانية متفتحة..
  11. ويجدد مسرحيونا في رسالتهم التأكيد على مساعي كتابة مشروعات قوانين تعالج أوضاعهم وعرضها بأقرب سقف زمني متاح وبشكل استثنائي على الجهات الحكومية الاختصاص لتداولها في البرلمان بقصد تشريعها واستصدارها والعمل بها حلاً لكثير من تفاصيل واقع المسرحي العراق.

 

إنّ رسالتنا هذه تظل تصرّ على التمسك بمطالبها وعلى التعبير عن مسيرة الإبداع الجمالي بعمقه الفلسفي الفكري المجسِّد للحراك المجتمعي وما يعتمل فيه. ونحن جزء لا يتجزأ من الحراك الإنساني بكل ما فيه من قيم الخير والتنوير وتلك التي تعترض هذه القيم وتحاول فرض استغلال مقيت على وجودنا.

وهي تتمسك بإعلان آمال متفتحة وامتلاء بها وبقيم الاحتفال والعيد كونها قيماً إنسانية سامية تضفي البهجة وتمحو الألم وتزيح الظلمة. فلتكن أعياد المسرح أعياد الإنسانية في صنع جماليات حياة مستقرة آمنة تنشغل بهدير سمفونيات البناء والتقدم والسلام.

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي\أستاذ الأدب المسرحي

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *