مسرحا أكيتو وبغداد، يهدران بسمفونية عراقية الهوى والهوية

عندما وُلِدت دولة المدينة في كنف المجتمع السومري وحضارته، لم يكن الأمر مجرد هياكل شكلية فارغة بل كان عميق الغنى بمنجزه. ولأنّ التطور العام قد شمل إنتاجا فلسفياً جمالياً ثرّاً؛ فقد توجَّهَ المجتمعُ لبناءِ صروحِ ذيَّاك التراث الإنسانيّ الكبير. وكان من بين أبرز تلك الصروح مبنى مسرح (أكيتو) واحتفالياته التي اتسقت مع احتفالات شعوب سومر بميلاد سنة جديدة وهو ذاته ما يقع قريبا من احتفالات اليوم العالمي للمسرح في أيامنا هذه.

وفي شتى الحروب التي جابهت تلك الحضارة العريقة عبر آلاف سنواتها، لم يقترب المتحاربون من مباني المسرح، لأنهم منحوها حصانة قدسية معتقداته، التي سَمَت بالعقل ومنجزه واحتفت بهما. ولكنّ تلك الآثار الباقية بمجملها وبرمزية ما تحمله من تعبير عن موئل الإنسانية الأول وتراثها، باتت تتعرض اليوم لجرائم التخريب والتدمير من قوى الظلام والتخلف. والسبب في ذلك أنها تظل (شواهدَ وعلاماتٍ) على منجزٍ (مدني) لزمن ولادة الحضارة وتقديسها للإنسان ولحرمة منجزه العقلي التنويري. إنّ قوى التضليل التكفيرية لا يمكنها أنْ تحيا وسط عقل متفتح متنوّر ولهذا تسعى بشتى ما ترتكبه من جرائم إلى إزالة أية نافذة للضوء!

إلا أنّ مسرح (أكيتو) لا يمكن أنْ يُحاصر في مبناه الذي كان عامراً في مهد التراث الإنساني بأحضان العراق القديم. فهذا المسرح خالدٌ بخلود ملاحمِهِ البطولية كما ملحمة كلكامش وبنيتها الدرامية. وهو باقٍ بهوية مَن وظّفَهُ في مسرحيتنا العراقية الحديثة. صحيح أنّ أكيتو أصابه الإهمال ولربما لم يبق من مبناه إلا الأطلال التي مازالت تتعرض للتخريب والتدمير، إلا أنه مازال شامخاً عبر طاقات التنوير والإبداع المعاصرة وعبر منطق معالجاته الجمالية المسرحية وبمن يتمسك بإحيائه رغم محاولات قوى الجهل المستميتة لإفنائه وتدميره نهائياً…

إنّ خبث قوى الظلام يجعلهم يواصلون جرائم التخريب  بما هو أبعد من تدمير (مبنى مسرح أكيتو) فـ (مسرح بغداد) الذي احتضن فرقة المسرح الفني الحديث ومنجزها طوال عقود، هو الآخر يتعرض لهجمة الإهمال وعبث التخريب المتعمّد بالهجر والإغلاق وبتركه آيلا للتهدم.. الأمر الذي يفضح تحالف قوى الظلام (الطائفية منها والإرهابية) والتقاء جرائمهما في مصبّ واحد يتناقض وتطلعات الشعب نحو أدوار بنيوية فاعلة للمنجز المسرحي سواء منه الجمالي أم المضموني…

لقد قيل يوماً في عصرنا: “أعطني مسرحاً أعطك شعباً مثقفاً” إدراكاً لدلالة ولادة هذا الفن وارتباطه بولادة دولة المدينة ومنطق الحضارة وآلياته. ومن هنا فإنّ احتدام الصراع اليوم بين قوى التنوير والخير والبناء وقوى الظلام والتخلف والهدم هو الفعل الواقعي الأبرز للصراع الدرامي بمسرح الحياة. وطبعاً هو التعبير الأصدق لجماليات المسرح والمسرحية في مؤشر دلالتها بنيوياً بما يجسد هذا الصراع ويتناول معالجاته.

وفي ضوء هذه الحقيقة وقراءتها، فإنّ العمق الثقافي للذهنية المعاصرة في راهن الواقع العراقي هو أرضيةٌ جدُّ مناسبةٍ لاستعادة دور الخطاب المسرحي وإبداعاته اليوم، مثلما كان زمن (أكيتو) ومثلما كان زمن (مسرح بغداد الحديث) يوم خرجت التظاهرات من صالته تهتف بتمسكها بحقوقها في حياة حرة كريمة جوهرها أنسنةُ وجودنا.

والحديث عن مسرحنا العراقي اليوم هو امتياح لجذوره العراقية القديمة والحديثة، واستنطاق لتجاريب خالدة لن تموت ما تمسَّكَ بها أبناء البلاد المبدعون منهم وجمهور التلقي. وكلاهما، معاً وسوياً، معني بالتصدي لجرائم تحاول محاصرة المسرحية العراقية ومبدعاتها ومبدعيها في حراكهم الميداني ومنجزهم الذي ارتقى لمستويات مشهودة عالمياً.

والأمل وطيد بأن يكون مسرح المقهى والرصيف والشارع والميدان هو خشبة إبداع تنطلق لاستعادة بناء دُور المسرح وأولها مسرح بغداد ليكون شاهداً ومعْلماً يستمد جذوره من هندسة المسرح السومري وبيت أكيتو تحديداً.. وثقتنا وطيدة بأن يعاود مجدداً، مسرحا (أكيتو وبغداد) عزفهما سمفونيتهما عراقية الهوى والهوية.

...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *